خليل الصفدي

412

تحفة ذوي الألباب فيمن حكم بدمشق من الخلفاء والملوك والنواب

سرى الملك المولى المعظّم في الدّجى * فأصبح نجم النصر بعد مغيبه وردّ على الإسلام بعد كآبة * سرورا وداوى الدّين بعد شحوبه تجلّى بعيسى غمّها واغتدى به * فريدا وأضحى فخرها من نصيبه ومن شهامته أن الملك الكامل كان مع اتساع مملكته يخافه ، وما جسر الكامل على أن يتحرك من مصر إلّا بعد موته . وكان يكتب إليه إذا أنكر منه حالة . لئن لم تنته لآخذنّك بمن معك . واشتهر عنه أنّه دخل عكا ، وكشف أحوالها في زيّ زيّات ، وأقام بها أياما . ورهن خاتمه عند دكاني . ولما عاد إلى دمشق كتب إلى صاحبها وأعلمه بما جرى ، وأمره أن يفكّ خاتمه وينفذه ، فقامت قيامته ، وكاد يموت غيظا . وحضر رسول من عند القاضي يطلب [ 153 جهنىّ ] واحدا من مماليكه « 1 » فامتنع . فلما علم به أحضره وعمامته في رقبته ، وقال للرسول : هذا غريمك ؟ قال : نعم ، قال : خذه على هذه الحالة إلى القاضي ؛ وإن غيّرت عمامته من رقبته شنقتك ، فارتجّت له المدينة بالدعاء وحكم القاضي على المملوك بما أراد . وأمر المعظّم بعد ذلك بإخراجه من القلعة ، وقطع خبزه « 2 » . وكان عنده عزيزا ، وقال : ذاك أدب الشّرع وهذا أدبي . وبقي مهجورا مدّة إلى أن شفع فيه . وكان يقسم الليل أثلاثا : فالأول يشرب فيه ويخلو بلذاته ، والثاني ينام فيه ، والثالث يدخل الحمام ويصلّي ويطالع . قال شيخنا الذهبي : وكان يشرب المسكر ، ويجوّز شربه . واستسنّ ظلما كثيرا . وكان يلبس كلوتة « 3 » صفراء بلا شاش . وكان لا يتكلف ، يخترق

--> ( 1 ) في الأصل : « ممالكه » . ( 2 ) الخبز : الإقطاع . أو الراتب . ( 3 ) الكلوتة : لباس للرأس يلبسها السلطان والعسكر بدل العمامة ، وكانت العادة أن تكون صفراء مضربة تضريبا عريضا ، ولها كلاليب ( الخطط التوفيقية 1 / 52 وولاة دمشق ص 117 - ح 2 ) .